لويجي ناربوني مدير برنامج مسارات ال ّشرق ا وسط 

لويجي ناربوني

مدير برنامج مسارات ال ّشرق ا وسط 

 

ليبيا والهجرة الغير شرعية: هل من إجراءات إضافية يمكن اتباعها؟

أكثر من 181.000 مهاجر و لاجيء قاموا بالدخول إلي الأراضي الأوروبية عبر الطريق المركزي للبحر المتوسط في العام الماضي ، مقارنة بالعام 2013 حيث عبَر المتوسط حوالي 45.000 فقط. وفقاَ للمنظمة الدولية للهجرة، فإن عدد الوافدين المسجلين هذا العام آخذ في الارتفاع، حيثُ وصل بالفعل إلى 53.386 بحلول 10 آيار/مايو 2017، مع وصول نحو 80% منهم إلى الأراضي الإيطالية، في حين لقي 1.309 مصرعهم  في البحر في نفس التوقيت.   

ولذلك ليس من الغريب أن تحظى ليبيا بموقع هام في صياغة الاستراتيجيات الثنائية والمتعددة الأطراف للحد من تدفقات الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي. في شباط/فبراير 2017، قامت إيطاليا وحكومة السراج المعترف بها دوليا بتوقيع مذكرة تفاهم لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والتي تم ايقافها الآن من قبل محكمة الاستئناف في طرابلس. وبعد فترة وجيزة في قمة فاليتا، وافق الاتحاد الأوروبي علی تکثیف الجھود لتعزیز قدرات لیبیا علی مکافحة أنشطة التھریب والعبور عبر الحدود. حيثُ سيتم تدريب خفر السواحل وفق برامج تدريب جديدة، وتعزيز الرقابة على الحدود في الجنوب، مع تعزيز سعة الاستضافة الليبية للمهاجرين المحظورين والمرَحلين أيضاً

وكما هو الحال في صفقة الهجرة المثيرة للجدل مع تركيا، فإن المنهج الذي تم اعتماده من قبل الاتحاد الأوروبي وإيطاليا يهدف إلى إعطاء ليبيا دوراً رئيسياً في مراقبة الهجرة غير المشروعة وحماية اللاجئين في مقابل المساعدة والتمويل. ويزايد الكثيرون حول المنفعة السياسية لمتابعة هذه النوعية من الاتفاقات، حيثُ من شأن الاستعانة بمصادر خارجية في السيطرة على تدفقات الهجرة إلى البلدان التي تتزايد فيها النزعة السلطوية، أو التي تعاني من الصراعات، أن تترتب عليها آثار خطيرة فيما يتعلق بظروف المعيشة وحقوق الإنسان لعشرات الآلاف من المهاجرين. كما قد يُفضي ذلك إلي خطراً سياسياً على أوروبا في نهاية الأمر

ولكن هناك أيضاً أسباب أخرى تدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الاستراتيجيات ستنجح في ليبيا أم لا.

إن طرق تهريب المهاجرين في ليبيا تتبع المسارات التقليدية القديمة. يتوافد المهاجرون عبر كل من غرب وشرق البلاد، حيثُ يتم ربط منطقة الساحل بالبحر الأبيض المتوسط عبر مساحات صحراوية شاسعة يصعب السيطرة عليها في المنطقة الجنوبية. تلك المسارات هي طرق التجارة الليبية التاريخية جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، وتعد طرق الاتجار القديمة والحديثة معاً، حيث يتم تهريب العبيد، الأسلحة، المخدرات والنفط عبر تلك المسارات

بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى جني المال من وراء الهجرة الغير الشرعية، فقد أدى انهيار الترتيبات الأمنية التي كانت سائدة في عهد القذافي والازدهار الأخير في تدفقات المهاجرين واللاجئين إلى زيادة قيمة المهاجرين. في ليبيا، حيث يستمر الصراع العنيف، أدى تجزؤ هياكل السلطة وانهيار االاقتصاد في سنوات ما بعد القذافي إلى زيادة خطر تهريب المهاجرين، والذي بات يشكل عنصراً أساسياً في نمو حصة الأنشطة الاجرامية داخل الاقتصاد

تم إنشاء شبكات جديدة متكاملة تربط بين أطراف محليين ودوليين في مجال الجريمة المنظمة، والتي تعتمد على اتجار ذو طابع مختلف. وغالبا ما تشمل تلك الأطراف المحلية القبائل والعائلات نفسها التي كانت تسيطر على التجارة عبر الحدود، ولكنها تعتمد الآن بشكل كبير على الجماعات المحلية المسلحة التي تسيطر على الطرق والبنية التحتية الاستراتيجية (بما في ذلك حقول النفط والمطارات) والتعامل مع التوزيع النقدي بدلا من النظام المصرفي المعطّل. أنشطة تيسير الهجرة، والتي تضم القيادة، والكشافة، والتجنيد، وتوفير مختلف الخدمات في النقاط الساخنة، تشمل العديد من الأشخاص ذوي الدخل المنخفض، وبالتالي أصبحت أعمال التهريب مصدراً رئيسياً للدخل -بشكل مباشر أو غير مباشر، كما أصبحت عاملاً للفساد بالنسبة للمجتمعات المحلية والبلديات

إن شبكات التهريب والاتجار قد أثبتت مرونة في مواجهة العقبات، فضلاً عن القدرة على تكييف استراتيجياتها وإعادة تصميم طرق التهريب الخاصة بها. ويظهر تاريخ شبكات الاتجار الأخرى في جميع أنحاء العالم أن الجمع بين المصالح الاقتصادية والسياسية قوي للغاية، حيثُ يصعب التصدي له باتباع منهج قائم فقط على الأدوات الامنية. علاوة على ذلك، فإن زيادة قدرات الكيانات المحلية مثل وحدات خفر السواحل التي كانت متورطة في قضايا الفساد، قد تؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة لاحتواء الهجرة في ليبيا. وحتى إذا كانت الاستراتيجيات الحالية يمكن أن تقلل من عدد المهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط على المدى القصير، فإن الحالة الإنسانية والأمنية في ليبيا -وكذلك في العديد من بلدان المنشأ والعبور- قد تتدهور بشكل مأساوي. مع تزايد أعداد الأشخاص الذين لا يملكون أية آفاق مستقبلية في ليبيا، فإن السلطات السياسية والمجتمعات المحلية تجد صعوبة متزايدة في احتواء التوترات

إن التصدي للتحديات المتعلقة بالهجرة الغير شرعية يتطلب معالجة فعّالة للاقتصاد السياسي الناشئ عن تهريب المهاجرين، حيث يجب أن يتمثل أحد الأهداف الرئيسية في كسر الشبكات المتكاملة التي كانت تتعزز على مدى السنوات الماضية، وعزل قياداتها تدريجياً عن المجموعات والأفراد الآخرين، الذين أصبح سبيل معيشتهم، في غياب البدائل، يعتمد على عمليات التهريب

ونجد بأن هنالك بعض قصص نجاح المجتمعات التي تتحول ضد المهربين في ليبيا، على سبيل المثال، في ميناء مدينة الزوراء الغربي، أدى تكثيف الضغط الاجتماعي على المهربين في النهاية إلى تحويل شبكاتهم إلى مدن أخرى

وبطبيعة الحال، فإن إيجاد حل على المدى الطويل لقضية التهريب والاتجار سيتطلب خلق أشكال بديلة من فرص العمل والتجارة للمجتمعات المحلية، والتي ستؤدي إلى خفض نسب الأنشطة الاجرامية داخل اقتصاد. ولا يمكن تهيئة الظروف المناسبة لذلك إلا من خلال تسوية الصراع السياسي، تحقيق اقتصاد مستقر وإصلاح الهياكل الأساسية للدولة

إلا أنه في الوقت نفسه، يمكن بالتوازي أن يؤدي اتباع منهج تدريجي للحد من انتشار التهريب وتقويض نموذج أعمال المهربين

ليس هنالك حلول سهلة جاهزة للاستخدام، وتوجد الحاجة إلى خلق حوافز اقتصادية وسياسية لجميع أصحاب المصلحة الرئيسيين في عملية التهريب: على مستوى القواعد الشعبية، لوقف توفير القوى العاملة للشبكات الإجرامية، وللمجموعات القيادية والشخصيات الرئيسية القائمة على تلك الشبكات، لدفعها إلى نزع السلاح وترك هذه الانشطة. ومع ذلك، لا يمكن التوصل إلى حلول واضحة إلا من خلال حوار مباشر يشمل جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين، ويجب أن تستند الحلول إلى فرص اقتصادية ملموسة ومتاحة في مناطق محددة

على سبيل المثال، في الجزء الجنوبي الغربي من الأراضي الليبية، والذي يعد إحدى الطرق الرئيسية للمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى لدول أفريقيا إلى البحر الأبيض المتوسط، يمكن أن يؤدي استئناف الإنتاج الطبيعي في حقول النفط (الفيل وشرارا) إلى توفير بدائل اقتصادية للمجتمعات المحلية. وتحقيقاً لهذه الغاية، فإن معظم أصحاب المصلحة المحليين والوطنيين والدوليين لديهم بالفعل مصلحة مشتركة في المشاركة في حوار شامل وبنّاء

تحتاج شركات النفط الدولية إلى تأمين ظروف سلسة لاستغلال حقول النفط المتوقفة حالياً نتيجة للمخاوف الأمنية. وفي هذا الإطار فان لهم مصلحة في الاستثمار في التنمية المحلية الليبية لضمان الامن والاستقرار، بدلا مما تقوم به تلك الشركات حاليا من دفع الأموال لتوفير الحماية للبنى التحتية النفطية وموظفيها

إن الجماعات المسلحة التي تعتمد عليها شركات النفط في توفير الأمن، غالباً ما تكون نفس المجموعات التي تلعب دوراً رئيسياً في شبكات التهريب والاتجار. ومع ذلك، فإن عائدات تهريب البشر بالنسبة لقيادات تلك الجماعات المسلحة هي ذات أهمية كبرى، حيثُ أنها تسمح لهم بتشغيل وصيانة الوحدات العسكرية المكلفة التي هي محور سلطتهم ونفوذهم. ومن شأن المناقشات المتعلقة بأشكال الاعتراف السياسي والإدماج في العمليات الوطنية، بما في ذلك من ينتمون إلى الأقليات العرقية واللغوية التي لها تاريخ من التهميش، إلى جانب المناقشات المتعلقة بأشكال الحماية القضائية لمن ارتكبوا جرائم، الى توفير أساس للمقايضة بهدف دفع القادة للتخلي عن السلاح، وترك أعمال التهريب

في المقابل، فإن الجماعات المسلحة، إذا ما أتيحت لها طرق بديلة لكسب الرزق، ربما تكون سعيدة بالتخلي عن الأنشطة غير المشروعة، في حين يمكن للبلديات أن تيسر البحث عن حلول لوجستية مقابل زيادة الإيرادات المتأتية من إنتاج النفط المستأنف، مما سيسمح أيضا بزيادة شرعيتها وتأثيرها

وفي البحث عن طرق بديلة فعّالة لمواجهة الهجرة غير المشروعة، يمكن أن يؤدي الحوار والمفاوضات المباشرة مع أصحاب المصلحة المحليين إلى رسم سياسات ملائمة وفعّالة للتصدي لتحديات الهجرة. فهؤلاء الفاعليين المحليين اساسين ولا يجب اهمالهم